بين النداء والصمت
بين النداء والصمت
في العطاء والإرهاق والراحة المستحقة
كان الشغف يسبق الخطوات...
يدخل الفصل قبل صاحبه،
ويبقى فيه بعد أن يغادر الجميع.
لم يكن مجرد معلم يؤدي واجباً، بل كان روحاً تبحث في عيون طلابها عن جذوة تشعلها، وسؤال يفتح باباً، وابتسامة تقول دون كلام: "فهمت."
بنى ما لم يُطلب منه، وأعطى ما لم يُحاسَب عليه. قناة تجمع أربعة عشر ألف متعلم، ومنصة رقمية تحمل اسم مدرسته وتتجاوز حدودها، ومجتمعاً افتراضياً يعيش فيه حماس لا تجده بين جدران الفصول. كانت عُمان بأسرها تشهد على ذلك العطاء.
ثم جاءت الأعباء...
لم تأتِ دفعة واحدة، بل تسللت كقطرات تحفر في الصخر. منصة جديدة مفروضة، وحصص مضافة لم تُستشر فيها، وطلبات لا تنتهي من جهاز يعرف كيف يأخذ ولا يعرف كيف يحمي. وبدلاً من أن يكون النظام ظهراً يسنده، صار ثقلاً يثنيه.
شُتِّت الجهد... وتفرقت الطاقة... وفي لحظة صامتة لا يعرفها أحد، أُغلقت القناة. لم يكن استسلاماً، لكنه كان نزيفاً.
اللي أطفأ هذا النور لم يكن عدواً من الخارج، بل كان منظومة تُصفّق للإبداع المصطنع، وتُقيم مسرحيات النجاح الوهمية، وتُعلي من شأن الواجهات على حساب الجوهر.
فصار الصادق أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يلبس القناع ويصفق مع القطيع، أو أن يصمت ويمضي في هدوء خلف أسراب الوهم. فاختار الصمت الكريم.
لكن الصمت لم يكن فراغاً...
بقي يعطي من بقية ما فيه. يشحن من حماس طالب في رسالة ليلية، ومن سؤال يُرسَل بشوق لا يعرفه الفصل، ومن تلك العيون النادرة التي تضيء وجهه في خضم الإرهاق. كان المجتمع الصغير هو الوقود الأخير.
الشغف يولد كردة فعل لحماس الطلاب، وحين يكون أمامك زجاج معتم، المرآة لا تقدر أن تشتغل.
غير أن الجسد يعرف ما لا تعترف به الروح الأبية... حين يناديك النداء ولا تجد القدرة على الإجابة، حين تسمع في داخلك صوتاً يريد البناء والعطاء والعودة، ويقابله صمت ثقيل من جسد أنهكته السنوات.
الراحة بلا ذنب...
هذا ما لا يُعلَّم في كليات التربية. أن تضع حملك للحظة دون أن تتهم نفسك بالتقصير. أن تقول: "أنا تعبت" دون أن تشعر بالخيانة لطلابك أو لمهنتك.
أن تفهم أن الخزان الفارغ لا يروي أحداً، وأن المعلم الذي لا يرتاح لا يُعلِّم، بل يُؤدِّي.
من أعطى أربعة عشر ألفاً... يستحق أن يأخذ لنفسه ولو قليلاً. 🤍
عندها لا يكون الصمت كسلاً، ولا يكون التوقف هزيمة. بل يكون الصمت بناءً من نوع آخر، بناء الروح من الداخل، قبل أن تُعيد البناء للآخرين.
وربما حين يمتلئ الخزان من جديد،
سيعود النداء...
ويجد مجيباً.
تعليقات 0
إرسال تعليق
Cancel